السيد عبد الله شبر
398
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
على تقدير التماثل وبطل النظام ووقع الهرج والمرج بالتمام فلم يكن ذلك عدلًا بل كان ظلماً وجوراً . ثمّ إنّ الدنيّ لا يتألّم من دناءته ، والخسيس لا يتضرّر من خساسته ، والجاهل جهلًا بسيطاً لا يتعذّب لجهله ، والعامي الأعمى البصيرة لا يشقى بعماه الأصليّ ؛ لكون كلّ منها لم يغيّر عمّا هو عليه ليتألّم بفقر كماله ويتعذّب بضدّ حاله ، بل كان كلّ أحد يعشق ذاته ويحبّ نفسه وإن كان خسيساً دنيّاً ، وفي المثل السائر : غثّك خير من سمين غيرك ؛ فمن أساء في عمله وأخطأ في اعتقاده فإنّما ظلم نفسه بظلمه جوهره وسوء استعداده ، وكان أهلًا للشقاوة ، وينادى على لسان المالك : مهلًا ، فيداك كسبتا وفوك نفخ « 1 » ، وإنّما قصر استعداده واظلم جوهره لعدم إمكانه « 2 » كونه أخسّ ممّا وجد كما لا يمكن أن يلد القرد إنساناً في أحسن صورة وأكمل سيرة ولا يزالون مختلفين إلّامن رحم ربّك ولذلك خلقهم « 3 » . وبالجملة ، تفاوت الخلق فيالكمال والنقص والسعادة والشقاوة إمّا بأمور ذاتيّة جوهريّة ، وإمّا بأمور عارضة كسبيّة بواسطة الأعمال والأفعال : فالاختلاف بحسب الأمور الذاتيّة بمحض العناية الإلهيّة المتقضّية لحسن الترتيب وفضيلة النظام ، وليس منشأً لإشكالٍ أصلًا كما علمت . وأمّا بحسب العوارض اللاحقة فهي من اللوازم والتوابع الحاصلة بمصادفات الأسباب ، فكلّ آفة وشرّ تلحق الشيء بسبب أمر خارج اتّفاقيّ فليس ممّا يدوم عليه ، بل يزول بزوال سببه ، وسيعود الشيء إلى ما كان عليه أوّلًا من طبيعته الأصليّة ؛ إذ الأسباب الاتفاقيّة غير دائمة ولا أكثريّة في الوجود ، اللّهمّ إلّاأن تنقل طبيعة الشيء
--> ( 1 ) . أصل المثل : يداك أوكتا وفوك نفخ . يقال في التوبيخ ، أصله : أنّ رجلًا كان في جزيرة من جزائر البحرفأراد أن يعبر على زقّ قد نفخ فيه ، فلم يُحسن إحكامه حتى إذا توسّط البحر خرجت منه الريح فغرق ، فلما غشيه الموت استغاث برجل فقال له : يداك أو كتا ( سدّتا الزقّ ) وفوك نفخ . مجمع الأمثال ، ج 2 ، ص 335 . ( 2 ) . في « ث » : « بعد إمكانه » . ( 3 ) . هذا تلفيق من آيتي 118 و 19 من سورة هود ( 11 ) .